العودة للخلف

(الثالث والعشرون) يرجون رحمة الله

تاريخ النشر: 06 / 06 / 2026
: 1

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإنَّ ليلة الثالث والعشرين من أرجى الليالي أنْ تكون ليلة القدر، ففي سنن أبي داود عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا، وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: «انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ». قال محمدُ بنُ إبراهيم -أحد الرواة-: فَقُلْتُ لِابْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ([1]).

وفي بعض طرقه: قال ابنُ الهاد: فكان محمَّد بن إبراهيم يَجتهد تلك الليلة([2]).

وفي مسلم عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ»، قَالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ فَانْصَرَفَ، وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ([3]).

فهنيئًا لعبدٍ في رَكْبِ الذين يرجُون رحمةَ الله، ويَلتمسون مغفرةَ الله، ويبتغون فضلَ الله، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].

إنهم أهل الإيمان وأهل الهجرة وأهل المجاهدة الذي يبذُلون ما يقدرون مِن أسباب نيل رحمة الله تعالى، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29].

وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9].

ولا يجوز لمسلم أنْ ييأسَ من رحمة الله بل عليه أن يُحسِنَ الظن بربِّه أن يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: 53].

وأسباب نيل رحمة الله ومغفرته كثيرة، منها:

1- الاستغفار: كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135-136]. وفي الحديث القُدسي: «أَذنَب عبْدٌ ذَنْبًا فقالَ: أَي رَبِّ اغفِرْ لِي ذَنبي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالى: أَذْنَبَ عَبدِي ذَنبًا، فعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنبِ، قد غَفَرْتُ لِعَبْدِي»([4]).

2- الأعمال الصالحات: فقد وردَ في كثير منها أنها تكفّر الذنوب، كالصلاة، والصوم، والصدقة، والوضوء، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة، والأذان، والذِّكر عقب الوضوء، وعقب الصلاة، وغيرها كثير.

قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56] وقال سبحانه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156].

3- اجتناب الكبائر: كما قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]، دلّت الآية أنّ اجتناب الكبائر من مكفرات الصغائر.

4- الابتلاءات لمَن صبر عليها، كما قال : «مَا يَزَالُ البَلَاءُ بِالمُؤْمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»([5]).

وقال : «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلًا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»([6]).

5- العناية بالقرآن الكريم: كما قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]، وقال : «ما اجتمع قومٌ فِي بيتٍ مِن بُيُوتِ الله يتلُون كِتاب الله ويتدارسُونهُ بينهُم إِلّا نزلت عليهِم السّكِينةُ، وغشِيتهُم الرّحمةُ، وحفّتهُم الملائِكةُ، وذكرهُم الله فِيمن عِنده»([7]).

فيا أرباب الذنوب؛ الغنيمةَ الغنيمةَ في هذه الأيام الكريمة، فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم يُعتَق فيها من النار مِن ذي جريرة وجريمة، فمَن أُعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة، والمنحة الجسيمة([8]).

وهناك بعض الموانع تمنع العبدَ مغفرة الله ورحمته -نعوذ بالله من ذلك- ومنها:

1- المجاهرة وإعلان الفواحش والمعاصي، كما قال رسول الله : «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ» ثم بيّن النبيُّ ﷺ نوعًا من المجاهرة فقال: «وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ الله عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلاَنُ، عَمِلْتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ»([9]). وهذا النوع من المجاهرة فيه استخفاف بمَن يعصي، ودعوة إلى المنكر، وإصرار عليه، وتهوين لشأنه، وما فيه من المـَجانة، والاستهتار، وغير ذلك.

ونَفْي المعافاة عن المجاهرين يدخل فيه: نفي العفو عن ما جاهَر به، ونفْي السلامة مِن أثر المعصية، ما دام على هذا الحال([10]).

2- المهاجرة، والمشَاحنة والخصومة بين المؤمنين، كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا»([11]).

وظاهر الحديث أنَّ المتخاصِمَين بغير حقّ يُحرَمان مِن المغفرة التي يَنالها كل مؤمن يوم الإثنين ويوم الخميس، وتؤجّل المغفرة لهما حتى يَصطلحا، زجرًا لهما عن المعصية، وحثًّا لهما على التصالح.

3- أكل الحرام ونحوه مِن موانع الدعاء، فإنَّ العبد إذا دعا بالمغفرة، وهو آكلٌ لأموال الناس بالباطل، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، فجديرٌ أن لا يُستجاب له. كما ذكَرَ النبيُّ : «الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»([12]).

4- الاعتداء وقسوة القلب وعدم الرحمة بالمؤمنين، لقول النبي : «إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»([13]). وقال ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ، لَا يَرْحَمْهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»([14]).

اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.

والحمد لله رب العالمين.



([1]) صحيح أبي داود 1249 غراس ، موطأ مَالِكٍ 332 ، التمهيد 21/210.

([2]) سنن البيهقي 4/409.

([3]) صحيح مسلم 1168.

([4]) رواه مسلم 2758.

([5]) رواه الترمذي 2399، وهو حديث صحيح، وانظر الجامع الصحيح 4/ 532.

([6]) أخرجه البخاري 5641، ومسلم 2573 عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما.

([7]) أخرجه مسلم 2699.

([8]) لطائف المعارف 212 .

([9]) البخاري 6069 ، ومسلم 2990 .

([10]) فيض القدير 5/11.

([11]) صحيح مسلم 2565.

([12]) رواه مسلم 1015 .

([13]) البخاري 5997، ومسلم 2318 عن أبي هريرة رضي الله عنه.

([14]) البخاري 6013، و مسلم 2319 عن جرير رضي الله عنه.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح